قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كلُّ من آثر الدُّنيا من أهل العلم واستحبَّها؛ فلا بدَّ أن يقول على الله غيرَ الحقِّ؛ في فتواه وحكمِه، في خبرِه وإلزامِه؛ لأنَّ أحكام الربِّ سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيَّما أهل الرئاسة والذين يتَّبعون الشَّهوات؛ فإنَّهم لا تَتِمُّ لهم أغراضُهم إلَّا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا.
فإذا كان العالِم والحاكِم مُحِبًّا للرئاسة، متَّبعًا للشَّهوات لم يتمَّ له ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحقِّ، ولا سيَّما إذا قامت له شبهةٌ، فتتَّفقُ الشبهةُ والشهوةُ، ويَثُورُ الهوى، فيَخفَى الصوابُ، ويَنطمِسُ وجهُ الحقِّ وإن كان الحقُّ ظاهرًا لا خفاءَ به ولا شبهةَ فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مَخرجٌ بالتوبة.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرضَ الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا، وإن عَرضَ لهم عرضٌ آخُر أخذوه؛ فهم مُصِرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحقِّ، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينُهُ، وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلافُ ذلك، أوْ لا يعلمون أن ذلك دينُهُ وشرعُهُ وحكمُهُ، فتارةً يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارةً يقولون عليه ما يعلمون بطلانه.
وأمَّا الذين يتَّقون فيعلمون أنَّ الدار الآخرة خيرٌ من الدُّنيا، فلا يَحمِلُهم حبُّ الرئاسة والشهوة على أن يُؤثِروا الدُّنيا على الآخرة، وطريقُ ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسُّنَّة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكَّروا في الدُّنيا وزوالها وخسَّتها، والآخرةِ وإقبالِها ودوامِها. الفوائد ص 146
مكتبة الصوتيات
الحسنات والسيئات
0:00
سورة محمد
0:00
استشعار ولاية الله ونصره
0:00
آداب قضاء الحاجة
0:00
وصايا للتائبين
0:00
عدد الزوار
7598493
إحصائيات |
مجموع الكتب : ( 46 ) كتاب |
مجموع الأقسام : ( 93 ) قسم |
مجموع المقالات : ( 1729 ) مقال |
مجموع الصوتيات : ( 992 ) مادة |
