• الاثنين 08 مُحَرَّم 1446 هـ ,الموافق :15 يوليو 2024 م


  • حاجتنا إلى سلامة القلب

  •  


    الحمد لله الذي جعل النجاة في الآخرة لمن كان قلبُه سليماً، فقال جل وعلا: ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ).

    والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان يملكُ قلباً سليماً، وكان يملك روحاً تحب العفوَ والمسامحة.
    أما بعد.
    معاشر المؤمنين.

    إن من الناس من يحملُ في قلبهِ الغل والحقد والحسد، وفي نفس الوقت هناكَ أشخاص لا يعرفون الانتقام ولا البغي ولا العدوان.

    هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يخرج للطائف لدعوتهم إلى دين الله وتوحيده ولكنهم رفضوا دعوته واستكبروا عنها بل وجعلوا الأطفال والمجانين يرجمونه بالحجارة.

    ثم يسيرُ بهمومه ولايدري أين تذهب به الخطا ولا يفيقُ إلا بعد عشرات الكيلوات.
    سار بجسدٍ تتقاطر منه الدماء ولك أن تتخيل ذلك النبي المختار يسير، والدماءُ تسيل من تلك الأقدام التي خرجت لله ولنصرة دينه.

    في تلك اللحظات إذ بمَلَك الجبال ينزل من السماء ومعه سيّد الملائكة جبريل عليه السلام.
    يسلم جبريل على نبينا محمد ويقول: إن الله قد سمع قول قومك لك وماردوا عليه وهذا ملك الجبال إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين فتنتهي قرية الطائف في تلك اللحظة.

    يا ترى هل رسولنا في هذه اللحظة تذكر الخطأ وتذكر الدماء التي تسيل منه ؟
    أم إنه نظر إلى جانب الرحمة والعفو والتفاؤل.

    إن رسولنا كان يملك روحاً تحب العفو وتنظر للأمل فكان الجواب من رسولنا : لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً. رواه مسلم.

    أيُّ قلب كان يملك صلى الله عليه وسلم؟ إنه العفو وسلامة القلب.

    أحبتي ، في مجتمعاتنا نحتاجُ إلى سلامة القلب والتدرب على العفو.

    في بيتك أيها الزوج، لماذا تنتقم من زوجتك لأجل كلمةٍ عابرة أو خطأ فطري، لماذا تُرسل كلماتك الجارحة على ولدك بسبب زلةٍ قادتهُ لها طفولته.

    أيها الأب ادخل لبيتك وأنت تحمل العفو لتوزعه على أسرتك.

    ما أجمل العفو، إنه خُلقٌ راقي يضعُ لك محبةً في القلوب.

    نحتاجُ العفو في أوساط الأقارب والأرحام، هذا عمك وخالك وهذه عمتك وخالتك وهذه أختك وهذا أخوك كلهم من البشر الذين تقع منهم الزلة، فهل ياترى يجدون منك عفواً ومسامحةً؟

    في تعاملك مع الموظفين تحت إدارتك، سوف ترى منهم زللاً، فهل سيرون منك عفواً؟

    نحتاج العفو مع الجار الذي قد يصدر منه أو من أولادهِ بعض الخطأ.

    ومع أصدقائك لابد من العفو، فهذا ربما نسي موعداً معك وربما تأخر عليك، ولعله يخطىء في كلمةِ مزاحٍ معك، وربما تجاهل بعض الأمور التي تحبها، ولعله لم يسدد القرض الذي منحته إياه قبل مدة.

    يا أيها المحب هل تحب من الناس أن يعفو عنك حينما تخطئ عليهم؟

    فكذلك الناس يحبون أن تعفو عنهم.

    إن العفو عن الناس طريق للجنة الغالية فاسلك هذا السبيل، وحينما نتأمل أوصاف أهل الجنة التي ذكرها الله تعالى نجد منها : (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

    عباد الله، إن من أسماء الله تعالى " العفو " والله عفا ولا يزال يعفو عن كثيرٍ من عباده.

    " يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة " رواه الترمذي بسند صحيح.

    معاشر المؤمنين، 
    هيا بنا إلى بعض صور العفو عند نبينا صلى الله عليه وسلم:

    عن أنس- رضي الله عنه- قال : كنت أمشي مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فأدركه أعرابي فجبذه جبذةً شديدة فنظرت إلى صفحة عنقه اليمنى، وقد أثرت بها حاشية البردة من شدة جذبته، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء. رواه البخاري .

    ما أعجب أخلاق هذا الرسول الكريم، يبتسم لمن يخطئ عليه.

    وكذلك كان العفو من هدي الرسل الكرام؛ فهذا نبي الله يوسف عليه السلام الذي حسده إخوته وألقوه في البئر، ونال منهم ألواناً من الأذى ثم يقول لهم بعد أن منّ الله عليه بالتمكين في الأرض: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). 

    يا سبحان الله، يعفو عن إخوته الذين حاولوا قتله، وبعضنا يغضب على إخوته ويقطع التعامل معهم لسنوات لإجل خلافٍ دنيوي.

    ياكرام ، ليكن العفو هو منهجنا وطريقنا.

    لنكن من أصحاب القلوب الكبيرة التي يسجل التاريخ قصتها على صفحاتٍ من ذهب.
    تأكدوا يا فضلاء أنه من عفا عفا الله عنه، ومن غفر غفر الله له.

    اللهم ارزقنا قلوباً سليمة تعفو عن الآخرين .

    ---------

    الحمد لله القائل : (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ).

    معاشر المؤمنين، في مجتمعاتنا ألوانٌ من الخلافات وهذه من طبيعة الحياة.

    ولكن ليست المشكلة في هذه الخلافات، إنما الخلل في ما يترتب بعدها من النزاع والشقاق بين المؤمنين.

    هذا يختلف مع قريب له لأجل قطعة أرض فيترك السلام عليه وزيارته شهوراً بل وسنوات، وهذا يخاصم أخته ويهجرها سنوات بسبب خلاف في وجهات النظر حول مواضيع لا تستحق.

    وبين الزوجين يدخل الشيطان ويحدث الخلافات ويغيب العفو بينهما ويزداد القلبُ قسوةً وانتقاماً، بل ربما وقع الطلاق نتيجةً لاختلاف وجهات النظر حول بعض صغائر الأمور.

    أيها الكرام،كم نحن بحاجةٍ إلى أن نتربى على العفو وقبول العذر وسلامة القلب.

    كم نحن بحاجة إلى كلمة " آسف " في حياتنا، لعل الحب أن يعود ولعل شجرة المودة أن تنمو ولعل حبال الوصل أن تشتد.

    إن بعض الناس يرى أن الانتقامَ شجاعةً ورجولة وأن العفو ضعف ومهانة، لا والله، فالعفو هو خلق الأنبياء والمرسلين وهدي العلماء والصالحين، ومن عفا فهو حري بأن يعفو الله عنه.

    قال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ).

    هيا يا عبد الله عاهد نفسك على أن تدخل في بستان أهل العفو.

    أيها الوالد اعف عن ولدك ولاتطرده من حنانك.

    أيها الزوج اعف عن زوجتك وارجع لها، وحتى لو وقعت طلقة فلعلك تعود وتمسح خطايا الماضي.

    أيها الصديق عد لأحبابك واعف عنهم وتجاوز عن ما اقترفته أيديهم.

    أيها المدير اعف عن موظفك الذي أخطأ معك قبل أيام.

    أيها الكفيل اعف عن العامل الذي تحت يدك واقبل عذره لعل الله أن يعفو عنك.

    إنك بعفوك تزداد رفعةً عند الله وعند الناس.

    وفي الحديث الصحيح " وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزاً " رواه  مسلم.

    اللهم ارزقنا قلوباً سليمة تحب العفو وتبادر إليه ، اللهم اعف عنا وعن والدينا وجميع المسلمين .


    مواد آخرى من نفس القسم

    مكتبة الصوتيات

    تلاوة من سورة المطففين 22-26

    0:00

    تأملات من قصة يوسف عليه السلام - 3

    0:00

    الثقافة في تربية الأبناء

    0:00

    لماذا تطلب المرأة العلم

    0:00

    تلاوة من سورة يس - 77 - 83

    0:00



    عدد الزوار

    4420463

    تواصل معنا


    إحصائيات

    مجموع الكتب : ( 11 ) كتاب
    مجموع الأقسام : ( 94 ) قسم
    مجموع المقالات : ( 1578 ) مقال
    مجموع الصوتيات : ( 996 ) مادة