• الاثنين 10 ذوالقعدة 1447 هـ ,الموافق :27 ابريل 2026 م


  • ثلاثون فرق بين العلم والمال



  • قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعاد 1 / 464:

    وفضلُ العلم على المال يُعْلَمُ من وجوه:

    أحدها: أنَّ العلمَ ميراثُ الأنبياء، والمالُ ميراثُ الملوك والأغنياء.

    الثاني: أنَّ العلمَ يحرسُ صاحبَه، وصاحبُ المال يحرسُ مالَه.

    والثالث: أنَّ المالَ تُذْهِبُه النفقات، والعلمُ يزكو على النفقة.

    الرابع: أنَّ صاحبَ المال إذا مات فارقه مالُه، والعلمُ يدخلُ معه قبرَه.

    الخامس: أنَّ العلمَ حاكمٌ على المال، والمالُ لا يحكمُ على العلم.

    السادس: أنَّ المالَ يحصُل للمؤمن والكافر والبَرِّ والفاجر، والعلمُ النافعُ لا يحصُل إلا للمؤمن.

    السابع: أنَّ العالِمَ يحتاجُ إليه الملوكُ فمن دونهم، وصاحبُ المال إنما يحتاجُ إليه أهلُ العُدْم والفاقة.

    الثامن: أنَّ النفسَ تَشْرُفُ وتزكو بجمع العلم وتحصيله، وذلك من كمالها وشرفها، والمالُ لا يزكِّيها ولا يكمِّلها ولا يزيدُها صفةَ كمال، بل النفسُ تنقصُ وتَشِحُّ وتبخلُ بجمعه والحرص عليه؛ فحرصُها على العلم عينُ كمالها، وحرصُها على المال عينُ نقصها.

    التاسع: أنَّ المالَ يدعوها إلى الطغيان والفخر والخيلاء، والعلمُ يدعوها إلى التواضع والقيام بالعبودية؛ فالمالُ يدعوها إلى صفات الملوك والعلمُ يدعوها إلى صفات العبيد.

    العاشر: أنَّ العلمَ حاجبٌ موصلٌ لها إلى سعادتها التي خُلِقَت لها والمال حجابٌ عنها وبينها .

    الحادي عشر: أنَّ غِنى العلم أجلُّ من غِنى المال؛ فإنَّ غِنى المال غِنًى بأمرٍ خارجيٍّ عن حقيقة الإنسان، لو ذهبَ في ليلةٍ أصبح فقيرًا مُعْدِمًا، وغِنى العلم لا يُخشى عليه الفقر، بل هو في زيادةٍ أبدًا، فهو الغِنى العالي حقيقة؛ كما قيل:

    غَنِيتُ بلا مالٍ عن الناس كلِّهم  وإنَّ الغِنى العالي عن الشَّيء لا به

    الثاني عشر: أنَّ المال يَسْتَعْبِدُ مُحِبَّه وصاحبه، فيجعلُه عبدًا له، كما قال النبيُّ ﷺ: " تَعِسَ عبد الدينار والدرهم " الحديث، والعلمُ يَسْتَعْبِدُه لربِّه وخالقه، فهو لا يدعوه إلا إلى عبوديَّة الله وحده.

    الثالث عشر: أنَّ حبَّ العلم وطلبَه أصلُ كلِّ طاعة، وحبَّ الدنيا والمال وطلبه أصلُ كلِّ سيئة .

    الرابع عشر: أنَّ قيمةَ الغنيِّ مالُه، وقيمةَ العالِم علمُه، فهذا متقوِّمٌ بماله، فإذا عُدِمَ مالُه عُدِمَت قيمتُه فبقي بلا قيمة، والعالِمُ لا تزولُ قيمتُه، بل هي في تضاعفٍ وزيادةٍ دائمًا.

    الخامس عشر: أنَّ جوهرَ المال من جنس جوهر البدن، وجوهرُ العلم من جنس جوهر الروح، كما قال يونس بن حبيب: " علمُك من روحك، ومالُك من بدنك " والفرقُ بين الأمرين كالفرق بين الروح والبدن.

    السادس عشر: أنَّ العالِم لو عُرِضَ عليه بحظِّه من العلم الدنيا بما فيها لم يَرْضَها عِوَضًا من علمه، والغنيُّ العاقلُ إذا رأى شرفَ العالِم وفضلَه وابتهاجَه بالعلم وكمالَه به يودُّ لو أنَّ له علمَه بغناه أجمع.

    السابع عشر: أنَّ ما أطاع اللهَ أحدٌ قطُّ إلا بالعلم، وعامةُ من يعصيه إنما يعصيه بالمال.

    الثامن عشر: أنَّ العالِمَ يدعو الناسَ إلى الله بعلمه وحاله، وجامعُ المال يدعوهم إلى الدنيا بحاله وماله.

    التاسع عشر: أنَّ غِنى المال قد يكونُ سببَ هلاك صاحبه كثيرًا؛ فإنه معشوقُ النفوس، فإذا رأت من يستأثرُ بمعشوقها عليها سعت في هلاكه، كما هو الواقع. وأمَّا غِنى العلم فسببُ حياة الرجل وحياة غيره به، والناسُ إذا رأوا من يستأثرُ عليهم به ويطلبُه أحبُّوه وخدموه وأكرموه.

    العشرون: أنَّ اللذَّةَ الحاصلةَ من غِنى المال إما لذَّةٌ وهميَّة وإما لذَّةٌ بهيميَّة، فإنَّ صاحبه إنْ التذَّ بنفس جمعه وتحصيله فتلك لذَّةٌ وهميَّةٌ خياليَّة وإن التذَّ بإنفاقه في شهواته فهي لذَّةٌ بهيميَّة، وأمَّا لذَّةُ العلم فلذَّةٌ عقليَّةٌ روحانيَّة، وهي تشبهُ لذَّة الملائكة وبهجتَها، وفرقٌ ما بين اللذَّتين.

    الحادي والعشرون: أنَّ عقلاء الأمم مطبقون على ذمِّ الشَّرِه في جمع المال الحريصِ عليه، وتنقُّصِه والإزراء به، ومطبقون على تعظيم الشَّرِه في جمع العلم وتحصيله، ومدحِه ومحبَّته ورؤيته بعين الكمال.

    الثاني والعشرون: أنهم مطبقون على تعظيم الزاهد في المال، المُعْرِض عن جمعه، الذي لا يَلْتَفِتُ إليه ولا يجعلُ قلبَه عبدًا له، ومطبقون على ذمِّ الزاهد في العلم، الذي لا يلتفتُ إليه ولا يحرصُ عليه.

    الثالث والعشرون: أنَّ المال إنما يُمْدَحُ صاحبُه بتخلِّيه منه وإخراجه، والعلمُ إنما يُمْدَحُ بتحلِّيه به واتِّصافه به.

    الرابع والعشرون: أنَّ غِنى المال مقرونٌ بالخوف والحزن، فهو حزينٌ قبل حصوله، خائفٌ بعد حصوله، وكلَّما كان أكثر كان الخوفُ أقوى، وغِنى العلم مقرونٌ بالأمن والفرح والسرور.

    الخامس والعشرون: أنَّ الغنيَّ بماله لا بدَّ أن يفارقَه غِناه، فيتعذَّبَ ويتألم بمفارقته، والغِنى بالعلم لا يزول، فلا يتعذَّبُ صاحبُه ولا يتألم؛ فلذَّةُ الغِنى بالمال لذَّةٌ زائلةٌ منقطعةٌ يَعْقُبُها الألم، ولذَّةُ الغِنى بالعلم لذَّةٌ باقيةٌ مستمرةٌ لا يلحقها ألم.

    السادس والعشرون: أنَّ استلذاذ النفس وكمالَها بالغِنى استكمالٌ بعاريَّةٍ مؤدَّاة، فتجمُّلها بالمال تجمُّلٌ بثوبٍ مستعارٍ لا بدَّ أن يرجع إلى مالكه يومًا ما، وأما تجمُّلها بالعلم وكمالُها به فتجمُّلٌ بصفةٍ ثابتةٍ لها راسخةٍ فيها لا تفارقُها.

    السابع والعشرون: أنَّ الغِنى بالمال هو عينُ فقر النفس، والغِنى بالعلم فهو غِناها الحقيقي؛ فغِناها بعلمها هو الغِنى، وغِناها بمالها هو الفقر.

    الثامن والعشرون: أنَّ من قُدِّم وأُكرِم لماله إذا زال مالُه ذهب تقديمُه وإكرامُه، ومن قُدِّم وأُكرِم لعلمه فإنه لا يزدادُ إلا تقديمًا وإكرامًا.

    التاسع والعشرون: أنَّ غنيَّ المال يبغضُ الموتَ ولقاءَ الله؛ فإنَّه لحبِّه مالَه يكرهُ مفارقتَه ويحبُّ بقاءه ليتمتَّع به، كما يشهدُ به الواقع.

    وأمَّا العلمُ، فإنه يحبِّبُ للعبد لقاءَ ربِّه، ويزهِّدُه في هذه الحياة النَّكِدَة الفانية.

    الثلاثون: أنَّ الأغنياء يموتُ ذكرُهم بموتهم، والعلماءُ يموتون ويحيا ذكرُهم؛ كما قال أميرُ المؤمنين في هذا الحديث: " مات خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر " ؛ فخُزَّانُ الأموال أحياءٌ كأموات، والعلماءُ بعد موتهم أمواتٌ كأحياء.


    مواد آخرى من نفس القسم

    مكتبة الصوتيات

    عشرون رسالة من زوجتك

    0:00

    تلاوة من سورة آل عمران للآيات 26 - 28

    0:00

    شرح نواقض الإسلام

    0:00

    قصة شاب

    0:00

    غمسة في الجنة

    0:00



    عدد الزوار

    7937627

    تواصل معنا


    إحصائيات

    مجموع الكتب : ( 53 ) كتاب
    مجموع الأقسام : ( 96 ) قسم
    مجموع المقالات : ( 1739 ) مقال
    مجموع الصوتيات : ( 931 ) مادة