• الاثنين 08 مُحَرَّم 1446 هـ ,الموافق :15 يوليو 2024 م


  • قواعد في التعامل مع الأزمات




  • الحمد لله الذي يقدر مايشاء ، ويبتلي من يشاء بما يشاء .

    الأمر بيده والكون كله تحت أمره .

    اللهم صل وسلم على نبيك محمد الذي جرت عليه أنواع المحن والأزمات فكان لها بقوة إيمانه وصبره وثباته .

    معاشر المسلمين ، في حياتنا نسمع ونرى قصص أولئك الذين يتعرضون للمصائب والأزمات ، وربما جرت على بعضنا آلآم عديدة في أوقات متقاربة .

    هذا يصبح على رسالة جوال مفادها " والدتك في العناية المركزة ثم تلحقها رسالة بعد ساعات لقد ماتت أمك " .

    وآخر تقع عليه كارثة في مشروع تجاري فيفشل ويخسر كل شيء .

    وثالث يعاني من المرض الذي نزل بزوجته وله معها سنوات طوال ، يتمنى تلك اللحظة التي يرى زوجته في عافية وصحة وسلامة .

    ورابع ابتلي بولد ظهرت عليه مظاهر الخلل والزلل ولايزال يدعو ربه أن يهدي ولده ويرده إلى الطريق المستقيم .

    أيها الكرام ، نحن هنا نتحدث عن رسائل وهمسات لمن جرت عليه الهموم والأزمات .

    لعل هذه الهمسات أن تنزل على قلبك السكينة ، لعلها تضيء في قلبك الأمل ، إنها همسات أرجو أن تساهم في تخفيف معاناتك أيها المهموم .

    الهمسة الأولى :

    أن تعلم بأن كل مايصيبك قد جرى في اللوح المحفوظ وقد كتبه الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " كما في الحديث الذي رواه مسلم .

    قال تعالى " قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا ".

    عندما تعترضك الأمراض فقل يانفس : هذا ماجرى به القدر .

    حينما تموت ابنتك أو ولدك ، قل لنفسك ولأسرتك : لقد نزل بنا ماكتبه الله لنا ، والقرآن يربينا " كان ذلك في الكتاب مسطوراً ".

    لاتقلق على هذا الهم الذي أحاط بك ، لاتحزن على تلك الديون .

    نعم دافع القدر ، وابذل الأسباب التي تحميك من متاعب القدر .

    وهذا هو التوازن في النظر للقدر .

    الهمسة الثانية :

    انظر لهذا الحدث الذي نزل بك من زاوية إيجابية .

    وتأمل قول الرب تبارك وتعالى " لاتحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم ".

    وانظر لقول الله " وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ".

    إنها آية تبعث في النفس الأمل وتفتح نوافذ السكينة وتضيء لك أنوار السعادة .

    هذا لم يقبل في وظيفة ، فيرزقه الله بوظيفة أجمل منها بعد شهور .

    هذا لم يتزوج من فلانة فيعوضها الله بأفضل منها بعد أسابيع .

    هذا تأخرت معاملته مع سعيه الشديد لإنهاءها فيكتشف أن الخير في عدمها .

    هذا لم يُقبل في تخصص وظيفي معين فيتحول لتخصص آخر أفضل وأرقى مرتبة .

    ياعبدالله ، تذكر دوماً وأبداً أن الله هو مدبر الأمور وأنه أرحم بك من نفسك ، وأنه لايمنع عنك شيئاً إلا ويعوضك بأجمل منه ولو بعد حين .

    وتأمل قول الله " أليس الله بأحكم الحاكمين ".

    ياعبدالله أحسن الظن بالله وتفاءل ، وتدبر قول الرسول صلى الله عليه وسلم " يقول الله أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء " رواه ابن حبان .

    أبشر ، سيجعل الله بعد عسر يسرا .

    مهما أحاط بك الألم فتأكد أن الأمل سيضيء قريباً في حياتك .

     

    الهمسة الثالثة :

    الدعاء وتعلق القلب بالله تعالى .

    أخي الحبيب ، في الأزمات تعلّق بربك القريب المجيب " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ".

    وتدبر قوله تعالى " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ".

    انتهز فرص الأوقات الفاضلة واعمرها بكلمات الدعاء والاضطرار بين يدي الله .

    أيها المريض ، يامن لم يرزق بذرية ، يامن تعسرت معاملاته ، يامن أحاطت به الديون .

    لماذا لاتطرق باب الدعاء ، وتقترب من رب الأرض والسماء ؟

    تعال إلى باب الله وانكسر على عتبات العبودية ، وقل يارب من لي سواك فأدعوه ، يارب طال علي المرض وأنت الشافي .

    يارب نزلت بي الديون وأنت الرزاق الكريم ، يارب انظر لي بكرمك وجودك .

    إنها لحظات الدعاء وما أجملها حينما تقترن بالبكاء .

    معاشر الكرام ، إن مما يحزن أن تسمع أن هذا ذهب إلى ساحر وهذا إلى مشعوذ ؟ لماذا يتعلقون بالبشر ويتركون الله القريب المجيب .

    هيا يامن ذاق الألم ، اقترب من الأرض واسجد واقترب ، وأخبر ربك بهمومك وأحزانك ، وأملأ موضع سجودك بدموعك وعبراتك .

    الهمسة الرابعة :

    تربية النفس على الصبر والمصابرة .

    تذكر دوماً وأبداً أن الحياة تتطلب الصبر ، " واصبر على ما أصابك " .

    واعلم أن الملائكة عند أبواب الجنة تقول للصابرين " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ".

    والصبر خير لك في عاقبة الأمور " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ".

    لاترفع صوتك بالبكاء والعويل عند تلك المصيبة ، واسمع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب "رواه البخاري .

    إن الخير كله للصابرين ، قال صلى الله عليه وسلم : وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر " رواه مسلم .

    وقديما قال عمر رضي الله عنه : وجدنا خير عيشنا بالصبر .

    فالتحف بالصبر يامهموم ، واشرب من كأس الصبر ، وانزل في بستان الصابرين وتخلق بأخلاقهم لتنال محبة الله " والله يحب الصابرين ".

    الهمسة الخامسة :

    التأني في اتخاذ القرار عند المصيبة .

    ياعبدالله اعلم أنه من أكبر الكوارث عند الأزمات هو الاستعجال في اتخاذ القرار بدون دراسة ولا استشارة .

    وتأمل معي :

    - هذا تقع بينه وبين زوجته مشكلة فلا يفكر إلا في طلاقها وربما طلقها في نفس الوقت الذي حصل فيه الخلاف .

    - وهذا يكتشف أن ابنه يقع في المعاكسات فيقرر أن يطرد ولده من البيت ويتركه لأصحاب السوء ليدمروا مابقي فيه من أخلاق .

    - وهذا يرى في أحد الموظفين عنده خللاً وتساهلاً في الدوام فيقرر أن يعاقبه عقوبةً لاتناسب الخطأ الذي وقع فيه .

    أيها الكرام ، رويداً رويداً في اتخاذ القرارات عند الأزمات ، وعليك بالاستشارة لأصحاب العقول الكبيرة ، وهذا نبينا يأمره الله باستشارة الآخرين " وشاورهم في الأمر ".

    لقد رأيت الكثير ممن نزلت بهم كوارث بسبب الفوضى في اتخاذ القرارات .

    فرسالتي لكم ، الزموا الحكمة في القرارات التي تتخذونها حتى لاتندموا في وقت لاينفع الندم .


    الهمسة السادسة :

    أخي المبتلى ، إن للذنوب علاقة بتلك المصيبة النازلة بك ، قال تعالى " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " .

    لعل توالي المشكلات الأسرية هو بسبب تفريطك في الصلوات ، أو لعلها بسبب تساهلك في الأموال المحرمة التي اكتسبتها قبل أيام .

    لعل المرض الذي طال مع ابنتك هو بسبب ذنوبك .

    أيها المصاب ، جدد توبتك مع الله ، واستغفر لذنبك ، واعلم أن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

    أصلح مابينك وبين الله يصلح الله مابينك وبين الناس .

    استغفر من ذنوبك ، وأقبل على ربك ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .


    الهمسة السابعة :

    انظر لمن ابتلي بمصيبة أعظم منك .

    يامن فقد ابنته بسبب مرضها هل تعلم أن هناك من فقد خمسةً من أولاده في حادث مروري ؟

    يامن يعاني من قلةٍ في المال ، هل تعلم بأن هناك من يسكن في الخيام والشوارع في كثير من البلاد في العالم ؟

    يامن فقد سمعه أو بصره، إن هناك من لزم المستشفى عشرات السنين لايقوى على الخروج منه .

    نعم أيها الكرام ، هناك من نزلت بهم مصائب أعظم مما نزل بنا .

    فاحمد الله ثم احمد الله ثم احمد الله .

    أنت تملك سمعاً وبصراً وزوجةً وولداً ومالاً وتسكن في مكان مناسب وتعيش في بلد آمن ولكن هناك من نزلت بهم الحروب وآخرون يسكنون في العراء وآخرون يعيشون في خوف دائم .

    ردد دوماً وأبداً " الحمد لله ".

    خذ هذه الإشراقة :

    أيها الشاكي وما بك داء       كن جميلاً ترى الوجود جميلاً


     ---------------------

    الحمد لله رب العالمين ، وبعد .

    الهمسة الثامنة :

    أيها المصاب ، اعلم أن الدنيا دار النقص والهموم ، وأن الساعات فيها تتقلب بين حزن وفرح وضحك وبكاء ، إن سرّتك يوماً ساءتك يوماً .

    فلاتحزن كثيراً لخبر مفاجئ ولا لألم نزل ولاموت لقريب ولامرض صديق .

    هذه هي الدنيا .

    إن السعادة الكاملة هي في جنات الخلود ، ملتقى النبيين والصديقين والصالحين ، هناك لانقص ولاهموم ولا أحزان .

    الهمسة التاسعة :

    أيها المبتلى لاتجعل ما أصابك سبباً لتأخرك عن التقدم وصناعة النجاح .

    لقد جرى على بعض الناس أنواعاً من الهموم ، ومع ذلك سطروا أروع القصص في الهمة العالية وصناعة الحياة .

    انظر في سير الأنبياء وماجرى عليهم من البلايا ومع ذلك صبروا ونجحوا وتجاوزوا تلك الأزمات .

    انظر في نبينا صلى الله عليه وسلم ينشأ بلا أب ، وتموت أمه وهو دون العاشرة ، وهكذا ينشأ بعيداً عن الأسرة التي تحتويه ، ومع ذلك تجري أيامه في عفة وطهارة حتى يختاره الله رسولاً للعالمين .

    وهذا ابن باز الإمام الكبير رحمة الله عليه فقد بصره وهو في التاسعة عشر من عمره ومع ذلك لم يمنعه ذلك من طلب العلم والاستمرار فيه حتى أصبح رمزاً كبيراً في العالِم كله .

    وهذا أحد المرضى يمكث نحواً من سنة على فراش المرض ومع ذلك اعتبر تلك فرصة وحفظ فيها القرآن .

    كم من يتيم عاش الصعوبات وبعد سنوات تجده محاضراً في جامعة أو طبيباً يشار له بالبنان .

    قم من مكانك وانفض ثياب الكسل ، والبس ثياب العزم ، واستعن بالحي القيوم ، وأبشر بكل خير .

    الهمسة العاشرة :

    اخرج من صندوق الحزن .

    أيها المبتلى لاتفكر كثيراً في مصيبتك ، ولاتجعلها تسيطر على كل وقتك .

    نعم لك أن تبكي على فقيدك وتتألم للجرح النازف على أمتك .

    لك حق أن تتألم لخسارة مالية ، أو لمشكلة أسرية .

    ولكن لايصح أبداً أن تجعل تلك الأزمة هي كل شيء في حياتك .

    اخرج من الأفكار الحزينة والقصص المبكية ، انزع نفسك من الذكريات الأليمة ، وانطلق إلى فضاء الفكر الإيجابي .

    اعمر مابقي من حياتك بنظرة تفاؤل وبسمة أمل .

    اللهم ارزقنا الصبر والرضا ، واجعلنا من أهل السعادة والتقى ، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى ، اللهم اهد ضال المسلمين وردهم إليك رداً جميلاً ، اللهم احفظنا من الفتن ماظهر منها ومابطن .


    مواد آخرى من نفس القسم

    مكتبة الصوتيات

    الاعتزاز بالدين

    0:00

    أجمل رحلة في العالم

    0:00

    سورة يونس

    0:00

    وصايا قبل الحج

    0:00

    حياتك لوحة

    0:00



    عدد الزوار

    4420607

    تواصل معنا


    إحصائيات

    مجموع الكتب : ( 11 ) كتاب
    مجموع الأقسام : ( 94 ) قسم
    مجموع المقالات : ( 1578 ) مقال
    مجموع الصوتيات : ( 996 ) مادة