• الجمعة 23 ذوالقعدة 1445 هـ ,الموافق :31 مايو 2024 م


  • وقفات من حياة نوح عليه السلام

  •  

    الحمد لله الذي جعل حياة الأنبياء منارةً في الاقتداء ، فقال جل وعز " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ".

    وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وقدوة الأصفياء وإمام الأنقياء .

    أما بعد ، ففي ذلك البلد كان يعيش نوح عليه الصلاة والسلام ، رجلٌ تم اختياره من فوق السماء السابعة ليحمل الرسالة  ، فيستجيبُ لاختيار الملك ويبدأ في دعوة قومه إلى دين الله .

    معاشر الكرام ، سوف نمضي وقتاً ممتعاً في صفحات من حياة نوح عليه السلام ، نتأمل في دعوته ، نسبح في بحار صبره .

    نتلمس المعالم التربوية والدعوية من حياته ، فهيا بنا لتلك المعالم والمنارات الذهبية من حياة نوح عليه الصلاة والسلام .

    المعلم ١ : 

    - كل دعوات الأنبياء كانت لتوحيد الله ونبذ الشرك ، فهذا نوح يقول لقومه " اعبدوا الله مالكم من إله غيره " .

    نعم ، التوحيد أولاً وقبل كل كلمة وقبل كل فعل ، لابد من صفاء قلبك من كل شيء إلا من الله ، وهذا هو معنى " لا إله إلا الله " فلامعبود بحق إلا الله ، به تتعلق القلوب والأرواح ، فلانعبد غيره ولانتوجه لسواه . 

    المعلم ٢ : 

    الصبر في دعوة الناس وعدم انتظار النتائج ، فهذا نوح مع طول المدة التي عاشها مع قومه وهي ٩٥٠ عام .

    يدعوهم بكل همةٍ ونشاط " إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً " .

    ومع ذلك فقد يتبادر إلى ذهنك سؤال : كم عدد الذين آمنوا معه ؟

    فالجواب :  " وما آمن معه إلا قليل ".

    قال المفسرون : ٨٠ رجل ، أي أنه يسلم رجلُ واحد كل ١٠ سنوات .

    إنها رسالة لكل داعية ، أن اصبر على طول الطريق ، واصبر على تأخر استجابة الناس لك ، اصبر على سخرية الناس بك وبمنهجك ورسالتك .

    إنه الصبر زادُ الأنبياء وحُلية الأتقياء " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولاتستعجل لهم " .

    المعلم ٣ : 

    أن الهداية بيد الله تعالى ، فهذا نوح لم يقدر على هداية زوجته ولا ولده بل ماتا على الكفر .

    وهذه رسالة لكل داعية ومصلح نقول له " إنك لاتهدي من أحببت " .

    وبهذا نطمئن وتهدأ نفوسُنا حينما لانملك هداية أقربَ الناس لنا .

    نعم ، إننا نملك فقط الكلمة والنصيحة ، ولكن القلوب لايملكها إلا ربها ومولاها جلّ في علاه .

    المعلم ٤ : 

    أن عادة أهل الكفر والإعراض هي السخرية بالمصلحين والصالحين ، فانظر كيف يسخرون بنوح لما كان يصنع السفينة ، فأوحى الله لنوح أن يقول لهم " إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ".

    فيجب عليك أيها الداعية أن لاتلتفت لأولئك الساخرين بك وبمنهجك ولاتتأثر بهم بل امضي في طريقك وتوكل على مولاك جلّ في علاه .

    المعلم ٥ :

    أن الداعية لايقصد من هداية الناس شيء من حطام الدنيا ، فلا أموال ولامناصب ولاثناء .

    قال الله عن نوح " وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم " . 

    تأمل جيداً ، يريدُ فقط أن يفوزوا بمغفرة الله لهم .

    عجباً لمقاصد الأنبياء ولطموحات الأنبياء لايريدون من الدنيا شيء لا مال ولامناصب ولاشهرة ولامزايا ، وهكذا يجب أن يكون الدعاةُ إلى اللهِ تعالى .

    المعلم ٦ : 

    أن الدعاةَ يجب أن يفتحوا للناس باب الأمل في رحمة الله وأن الله واسع المغفرة ، وهنا نوح يبين لقومه ويقول: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً " .

    فهو يقبل التوبة ويعفو عن السيئات مهما كانت ، وهنا نقول لكل داعية : افتح للمذنبين أبواب الرحمات ، أخبرهم أن الله يعفو عن السيئات ، إياك وأن تقنط الناس وتغلق عليهم أبواب الرجاء في عفو الله ومغفرته .

    المعلم ٧ : 

    أن أتباع المنهج الحق قد يكونوا قلة في بعض الأزمان أو البلدان ، وهذه القلة يجب أن لاتؤثر في التمسك بالدين .

    فهذا نوح لم يستجب له إلا القليل ، قال تعالى: " وما آمن معه إلا قليل " .

    فيا أهل الإسلام في كل مكان وفي كل زمان اثبتوا على دينكم ومنهجكم ولاتغتروا بكثرة الهالكين ولا المفسدين ، واستشعروا طريق المرسلين والصادقين وأنهم قلةً على مر الأزمان .

    ونبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه سيأتي يوم القيامة نبي ولم يؤمن به إلا واحد أو اثنان ومنهم من لم يؤمن به أحد . رواه مسلم .

    فياعبدالله إياك وأن تتنازل عن دينك بسبب كثرة المنكرات أو زخرفة الدنيا بالشهوات ، ولاتقل أنا غريب في هذه الحياة .

    أنت على الحق والله معك وناصرك " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " .

    المعلم ٨ : 

    أنه مهما طال ظلام الكفر ، ومها انتشر الباطل وعلا صوته فلابد أن تظهر شمس الرسالة ولابد من ظهور الحق بجماله وحلاوته .

    " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً " .

    وهنا ربنا يقول " ولاتخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " .

    إن أعداء الحق وحاملي رسالةَ الباطل لابد أن تنالهم اليد القوية من الجبار القوي العزيز .

    إن الله يملي للظالم فإذا جاء الوقتُ المناسب أخذه أخذَ عزيز مقتدر .

    ويأتي النصر لنوح وينجيه الله ويُغرقُ اللهُ الكافرين وتنتهي قصة الظلم تحت أمواج المياه ويختفون من العالمِ المشاهد إلى عالمٍ غيبيٍ تحت البحار .

    والموعدُ الكبير لكل ظالمٍ يومَ العرضِ على الله حينما يشتدُ غضبُ الرب تعالى على أعداءه .

    المعلم ٩ :  

    ومن المعالم الإيمانية في قصة نوح  " صدق الدعاء  " .

    قال تعالى: " ولقد نادنا نوح فلنعم المجيبون " .

    يا الله ما أجمل الحروف " ولقد نادانا " نعم إن نوح حبيبٌ لله ورسولٌ من رسلِ الله وقد أمضى حياته لله وفي سبيل الله ولكن طال عليه الأسى وزاحمتهُ الهموم وأزعجتهُ أصوات الطغيان فمن له إلا الله القريب المجيب .

    وهنا تأتي العبارة الربانية اللطيفة وتلقي بظلالها على قلب نوح " فلنعم المجيبون ".

    وهنا يثني اللهُ على نفسهِ المقدسة القادرة على إهلاك الظالمين وكأن الله يقول لنوح " أبشر فلقد استجبنا لك ".

    وعند التأمل في سياق القصة في موضع آخر نجد هذه الآية " فدعا ربه أني مغلوبٌ فانتصر " .

    يا الله ، إنها دعوات احترقت في قلب نوح الذي قضى ٩٥٠ سنة في مناصحة القوم الكافرين ، " رب إني مغلوب فانتصر ".

    دعوات انطلقت من رجل عانى الكفر والاستكبار والطغيان بألوانه .

    " رب إني مغلوب فانتصر " .

    كلماتٍ من داعية زاد عندهُ الألم ولكن لازال عندهُ أمل .

    فياترى ماذا كان جواب الرب القادر القوي المنتقم " ففتحنا أبوابَ السماءِ بماء منهمر ، وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماءُ على أمرٍ قد قُدِر " .

    سبحانك يارب .

    سبحان من إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون .

    سبحان من ينتقم لعباده الصالحين ولأولياءه المتقين .

    السماءُ تفجرت لأجلك يانوح ، والأرضُ اضطربت لك يانوح .

    وتمتلئ الأرضُ بالمياه ، ونوح ومن معه في تلك السفينة المتواضعةُ في صنعتها ، ولكنها تجري تحت عينِ الله ورعايتهِ جلّ في علاه .

    " تجري بأعيننا " ، وصدق الله " فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين " .

    وبعد لحظات تغمرُ المياه الأرض وتنتهي قصة الطغيان وتختفي معالم الكفر والاستكبار التي عاشت قروناً على الأرض ، ويعلو صوتُ الحق وتختفي منارات الباطل .

    وتشرقُ شمسُ النصرِ وتعلو البسمة لتلك الفئة القليلة المؤمنة بعد أن فازت بعقيدتها وانتصرت على كل أهواء البشر ، وهذا هو أعظمُ الانتصار .

    ومن هنا نوجه رسالة لكل مظلوم ، ولكل من جرت عليه الهموم ونزلت بساحته الأحزان " ارفع يديك إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب ، إلى سامع الأصوات ومجيب الدعوات ، إلى القريب المجيب إلى الودود اللطيف .

    قل يارب " إني مغلوب فانتصر " يارب غلبت علي ديوني فاقضها يارب .

    يارب غلبت علي همومي فاكشفها يارب .

    يارب غلبني ذلك المرض فاشفني يارب .

    المعلم ١٠ :

    وفي نهاية حياة نوح يتوجه إلى ربه الكريم الغفور الرحيم ويقول " رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ". 

    يا الله ، وبعد تلك السنوات التي قضاها نوح وهو يدعو إلى دين الله ومنهج الله يتوسل إلى الله بأن يغفر له ، عجباً والله ، وماهو التقصير الذي بدر منه حتى يسألَ ربه المغفرة .

    يامسلمون ، إذا كان نوح يسأل ربه المغفرة مع أنه ممن بذل كل ساعة من حياته لأجل الله فياترى ألسنا أحوج من نوح أن نسأل الله المغفرة ونجدد توبتنا لربنا التواب الرحيم ؟

    فياربنا نسالك مغفرةً تمحو بها ذنوبنا .

     


    مواد آخرى من نفس القسم

    مكتبة الصوتيات

    وقفات تربوية في التسامح

    0:00

    ففروا إلى الله

    0:00

    ولا تحسبن الذين قتلوا..

    0:00

    تأملات فيي سورة العصر

    0:00

    25 سبب للسعادة

    0:00



    عدد الزوار

    4252187

    تواصل معنا


    إحصائيات

    مجموع الكتب : ( 4 ) كتاب
    مجموع الأقسام : ( 94 ) قسم
    مجموع المقالات : ( 1581 ) مقال
    مجموع الصوتيات : ( 996 ) مادة